الشيخ الصدوق

387

من لا يحضره الفقيه

من الله طول حلول النعم وإبطاء موارد النقم ( 1 ) ، فإنه لو خشي الفوت عاجل بالعقوبة قبل الموت . يا بنى : اقبل من الحكماء مواعظهم ( 2 ) وتدبر أحكامهم ، وكن آخذ الناس بما تأمر به وأكف الناس عما تنهى عنه ، وأمر بالمعروف تكن من أهله ، فإن استتمام الأمور عند الله تبارك وتعالى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وتفقه في الدين فإن الفقهاء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكنهم ورثوا العلم ، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر . واعلم أن طالب العلم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الطير في جو السماء والحوت في البحر ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى به ، وفيه شرف الدنيا والفوز بالجنة يوم القيامة ، لان الفقهاء هم الدعاة إلى الجنان والا دلاء ، على الله تبارك وتعالى وأحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يحسن إليك ، وارض لهم ما ترضاه لنفسك ، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، وحسن مع جميع الناس خلقك حتى إذا غبت عنهم حنوا إليك ( 3 ) وإذا مت بكوا عليك وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا تكن من الذين يقال عند موته : الحمد لله رب العالمين . واعلم أن رأس العقل بعد الايمان بالله عز وجل مدارأة الناس ، ولا خير فيمن لا يعاشر بالمعروف من لابد من معاشرته حتى يجعل الله إلى الخلاص منه سبيلا ، فإني وجدت جميع ما يتعايش به الناس وبه يتعاشرون ملء مكيال ثلثاه استحسان وثلثه تغافل ( 4 ) ، وما خلق الله عز وجل شيئا أحسن من الكلام ولا أقبح منه ، بالكلام

--> ( 1 ) لان ذلك ربما كان استدراجا فحسبته نعمة ، وقوله " فإنه " أي فان الله عز وجل . ( 2 ) أي العلماء الذين يعلمون ما يصلح العبد وما يفسده ، وقد أشار تعالى إليهم وقال : " ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا " . ( 3 ) من الحنين بمعنى الاشتياق ، حن إليه أي اشتاق . ( 4 ) المراد بالاستحسان عد شئ حسنا وهو فيما يمكن من الافعال حمله على أنه حسن وفيما لا يمكن ذلك فيه ينبغي حمله على التغافل . ( مراد )